الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

393

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

الذنوب وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض . يا هشام : إنّ العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلّا بالمشقّة ، ونظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقة ، فطلب بالمشقة أبقاهما . يا هشام : ان العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة وأنّ الآخرة طالبة مطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا ورغبوا في الآخرة لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة وأنّ الآخرة طالبة الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته ( 1 ) . « والسالم منك » يا دنيا « لا يبالي » لنجاته من هلكة شديدة « إن ضاق به مناخه » بضم الميم ، أي : مستقره والأصل فيه « أنخت الجمل فاستناخ » أي : أبركته فبرك . هذا و « تنوخ » ليس من هذا كما توهم الجوهري ، فقال ابن دريد : تنخ بالمكان إذا أقام به ، ومنه تنوخ ( 2 ) . وهذا من نوخ الإبل . ووجه عدم مبالاته بضيق مناخه ، لأن من سلم منها كمن سلم ممن يريد إهلاكه بالاختفاء في موضع ضيق ، فهو لا يحسّ ضيق ذاك المكان ما دام همه النجاة . « والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه » أي : صار وقت تقضيه . قال الصادق عليه السلام : اصبروا على طاعة اللّه وتصبّروا عن معصية اللّه ، فإنّما الدنيا ساعة فما مضى فلست تجد له سرورا ولا حزنا وما لم يأت فلست تعرفه ، فاصبر على تلك الساعة الّتي أنت فيها فكأنّك قد اغتبطت ( 3 ) . « اعزبي » بالضم والكسر ، أي : ابعدي يا دنيا « عنّي فو اللّه لا أذل لك » أي :

--> ( 1 ) الكافي 1 : 17 . ( 2 ) صحاح اللغة 1 : 434 ، مادة ( نوخ ) ، وجمهرة اللغة 2 : 8 . ( 3 ) الكافي 2 : 459 ح 21 .